Monday, 30 May 2011

مقدّمة: 
كلّما استوقفتني قصّة للإمام أبو سعيد الحسن البصري إلّا و زدت تصديقا لنبوّة سيدنا رسول الله صلّى الله  عليه و سلّم الذي قال في الحديث أنّ العلماء هم ورثة الأنبياء أو كما قال صلّى الله  عليه و سلّم.
__ 

لما ولي الحجاج بن يوسف الثقفي العراق وطغى في ولايته وتجبر
كان الحسن البصري أحد الرجال القلائل الذين تصدوا لطغيانه وجهروا بين الناس بسوء أفعاله وصعدوا بكلمة الحق في وجهه .

من ذلك أن الحجاج بنى لنفسه بناء في واسط
فلما فرغ منه نادى في الناس أن يخرجوا للفرجة عليه والدعاء له بالبركة
فلم يشأ الحسن أن يفوت على نفسه فرصة اجتماع الناس هذه

فخرج إليهم ليعظهم ويذكرهم ويزهدهم بعرض الدنيا ويرغبهم بما عند الله عز وجل

ولما بلغ المكان , ونظر إلى جموع الناس وهي تطوف بالقصر المنيف مأخوذة بروعة بنائه , مدهوشة بسعة أرجائه مشدودة إلى براعة زخارفه
وقف فيهم خطيبا , وكان في جملة ما قاله:

لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين فوجدنا أن فرعون شيد أعظم مما شيد , وبنى أعلى مما بنى
ثم أهلك الله فرعون وأتى على ما بنى وشيد
ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه , وأن أهل الأرض قد غروه

ومضى يتدفق على هذا المنوال حتى أشفق عليه أحد السامعين من نقمة الحجاج فقال له:

حسبك يا أبا سعيد ... حسبك
فقال له الحسن :
لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه



وفي اليوم التالي
دخل الحجاج إلى مجلسه وهو يتميز من الغيظ وقال لجلسائه :
تبا لكم وسحقا
يقوم عبد من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول , ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه ! !

والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء
ثم أمر بالسيف والنطع فأحضرا
ودعا بالجلاد فمثل واقفا بين يديه
ثم وجه إلى الحسن بعض شرطه
وأمرهم أن يأتوه به

وما هو إلا قليل حتى جاء الحسن فشخصت نحوه الأبصار
ووجفت عليه القلوب

فلما رأى الحسن السيف والنطع والجلاد حرك شفتيه

ثم أقبل على الحجاج ، وعليه جلال المؤمن وعزة المسلم ووقار الداعية إلى الله .

فلما رآه الحجاج على حاله هذه هابه أشد الهيبة وقال له :

ها هنا يا أبا سعيد ... ها هنا ...
ثم ما زال يوسع له ويقول :
ها هنا ... والناس ينظرون إليه في دهشة واستغراب حتى أجلسه على فراشه .

ولما أخذ الحسن مجلسه التفت إليه الحجاج وجعل يسأله عن بعض أمور الدين , والحسن يجيبه عن كل مسألة بجنان ثابت , وبيان ساحر , وعلم واسع .

فقال له الحجاج :
أنت سيد العلماء يا أبا سعيد .
ثم دعا بغالية وطيب له بها لحيته وودعه .

ولما خرج الحسن من عنده تبعه حاجب الحجاج وقال له :

يا أبا سعيد , لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك وإني رأيتك عندما أقبلت , ورأيت السيف والنطع قد حركت شفتيك فماذا قلت ؟

فقال الحسن :
لقد قلت : يا ولي نعمتي عند كربتي اجعل نقمته بردا وسلاما علي كما جعلت النار بردا وسلاما على إبراهيم . 

No comments:

Post a Comment